إلهام
تجوزت اخ بين اربع خوات, لعيلة طول عمرهن ساكنين بمدينة بيت جالا في بيت اجار. حماتي كانت حابة انه ابنها يشتري ارض في قرية الولجة ويعيش مع اهله وعيلته الكبيرة, مع انه كان معارض الفكرة وكان حابب يشتري بيت في بيت جالا او منطقة الدوحة قريبا من كل أصحابه والناس اللي بعرفهن. ووقتها, قبل عشرين سنة ما كان في حدا بالولجة ببيع ارض, بس حماتي ضلت تفتش وتسأل قرايبها لحد ما عمتو لجوزي اقترحت انه تطلب من ولادها انهم يبيعوه قطعة ارض لانهن عيلة عندها كثير أراضي, ولما كانت الفرصة موجودة وجاهزة جوزي قبل واشترى الأرض وبلّش يبني ببيتنا.
بدايات بناء البيت كانت ملانة احداث وخوف وشغلات غير متوقعة وما منعرف متى رح تصير, الجيش اجى مع التنظيم تاع بلديّة القدس واعطونا امر بوقف البناء وكانوا يمنعو عمال البنا انهن يشتغلو, غير المطاردات للعمال والهرب من الجيش والغرامات.
بعد فترة وبسنة الالفين وقت اجتياح بيت لحم والقصف على بيت جالا, انقصف بيت حماي وانهدم واضطروا ينتقلوا على بيت بالايجار, تزوجنا وبعدها بشهرين انتقلنا على الولجة عدار اجار عشان نكون قريبين من بيتنا ونقدر نكمّل بناؤه. هاي الفترة كانت جدا صعبة علينا, الحاجز كان مسكر وما في طريق بين الولجة وبيت جالا الا حرش كريمزان الوعرة اللي كمان مرّات كان يتسكر من الجيش, طريق الشغل اليومية لجوزي كانت معاناة كبيرة, كان اغلب المرات يمشي من الولجة لبيت جالا.
بعد فترة ولمن انتقل جوزي للشغل في مدينة بير السبع, كان ينام بمكان شغله ويروح كل أسبوعين لصعوبة الحركة ولأنه ما كان معه تصريح, وصلنا اول اخطار بالهدم خلال 24 ساعة. مرقت علي هاي المرحلة مثل الكابوس, مش سهل أكون بعيدة عن جوزي ولحالي وما بعرف باي يوم او لحظه ممكن الحلم اللي انا بستناه يخلص لاعيش بامان ينهدم. وصل الجيش عالبلاد بجرافاته وعدته وانا ما قدرت وقتها اضل بالولجة واشوف الاشي بصير قدام عيوني, هربت من المنظر ومن الوجع ونا اصلي لربنا يوقف معنا وما ينهدم البيت. هداك اليوم هدمو ثلث بيوت وهدمو أحلام وامان عائلات ثانية, بس حسيت ربنا شفق علي وجبر بخاطري انه البيت ما نهدم والجيش ما لحق يوصله.
توجهنا لمحامي ليقدر يوقف امر الهدم قبل ما يوصولنا, بس برضه المحامية وقصصهن الحبالها طويلة والمماطلات والمبالغ الكبيرة اللي دفعناها وهو مش مفهمنا الصورة الحقيقية ومش واضح معنا, جوزي زهق وبطل يقدر يتحمل وقرر انه بده ينسى مشروع البيت ويرجع على بيت جالا, ورجعنا على الدوحة وسكنا في بيت اجار.
انا كان علي كثير صعب أعيش في بيت اجار ومش قادره احسه بيتي وما بقدر اتصرف فيو براحتي, كنت أحاول اقنع جوزي انه يرجع يكمل بيتنا في الولجة بس هو كان رافض الفكرة ويجاوبني "بدك اتعب وابني البيت عشان ييجو بلحظه يهدموه؟!" وبلش يفكر يبيع البيت. سعر البيت كان واطي كثير لانه عليه امر هدم, بس الزبون وبعد ما دفع عربون تراجع لنفس السبب اللي جوزي بده يبع عشانه.
ومرت السنين, سنة ورا سنة وحنا نتنقل من بيت اجار لبيت اجار, متذكرة نقلنا سبع بيوت وقديش كان صعب علي كل الوقت اجمع اغراضي وانتقل لمكان جديد واتعود عليه بس احساسي انه محطّة ومؤقت ومش المكان الدائم تاعي, الشعور بعدم الأمان وعدم الاستقرار كان مسيطر على حياتي هديك الفترة وهذا اللي خلاني كل الوقت أحاول ارجع اقنعه نكمل البيت بس جوابه كان نفسه وبعرف انه كان معه حق طول 12 سنة كان يجاوب "اعمرها ويجو يهدوها باي لحظه؟ّ".
جوابه منطقي وكنت فاهمه عليه, بس من ناحية ثانية الشعور بعدم الاستقرار وانه ما بعرف وين رح اسكن السنة الجاية واي بيت رح استأجر ولأنه الاشي استنزفني وصلت لوضع مستعدة اتعب واغامر لنكمل بيتنا واسكن فيو واحس انه هذا بيتي ومش بيت حد ثاني مع كل المخاطر والعواقب. بلش صوت بداخلي يقلي "لازم اكمّل البيت واللي بده يصير يصير!".
وضعنا المادي كان كثير صعب, بلشت افتش على إمكانية قرض وبشروط سهله وبدون كفالة, سمعت انه الوكالة بتعطي قروض بس المبلغ جدا بسيط 2000 دينار, بس انا كنت بوضع بدي أي اشي اقدر ابلّش منه والمهم انه نبدا اول خطوة. رحت اخذت القرض وجبت المصاري وحطيت جوزي تحت الامر الواقع انه في مبلغ بسيط نبلش منه والباقي شوي شوي ربنا بسهلها ومنكتب شكات لقدام ومش ضروري تخلص في سنة او سنتين, بس المهم نبلش ونحس انه عم نتقدم ونعمل اشي باتجاه حلمنا وبيتنا. متذكرة اول يوم لما طلعنا نشوف شغل البنا قديش كنت مبسوطه وطايرة, مع انه اغلب الناس كانو مفكرين ومفترضين اني انا لاني بنت مدينة ما بدي اسكن بالقرية ومش معنيه نكمل البيت. بس انا كنت العكس تماما كنت متحمسة يكنلي بيت ملكي مع ارض حواليه, ما بعرفو قديش كنت احب الأرض والزراعة وقديش كنت مفتونه بهدوء ورواق الولجة وطبيعتها, ارضها, هواها.
طبعا الاحتلال لما حسو علينا اجو واعطونا امر وقف بناء, بس جوزي كان صار مقتنع بالفكرة وصار مثلي مصمم انه يكمل بيتنا. باع الجيب تاعه عشان نقدر نكمل البيت, بس ظروف الشغل ما كانت مساعديتنا ولقينا حالنا بدون مصاري نكمل البيت اللي قطعنا فيو شوط مليح. كنت كل هالفترة أقول لحالي "يعني انا قطعت كل هاي المسافة وانجزت عشان أوقف هونا؟!" وبلشت افكر كمان مره بفكرة او حل تنقذنا من الوضع اللي احنا فيه. وبيوم خطرتلي فكرة, كان شهر 8 سنة 2014 لمن رجع جوزي من الشغل حكتله "انا رحت على مدرسة البنات وجبت ورق نقل ونقلتهم على مدرسة الولجة ومعك 25 يوم لتجهّز البيت بالولجة ونقدر ننتقل عليه!" طبعا جوزي عصّب ونضغط وكان معه حق لانه ما كنا نقدر ندفع اجاربيتنا في بيت جالا ومصاريف العيله واجار التصريح الل بيكلف 2400 ش لحاله وبنفس الوقت يكمل البيت. بس انا كنت مصرّة ومعندة انه اذا مننوي ربنا بسهلها وقلتله حتى لو مندفع شكات ماجله بس المهم ننقل ويكنلنا بيت النا ومش مهم منسكن عالاشياء الأساسية بالبداية.
لما جوزي شاف انه ما في حل ثاني, وافق وطلعنا عالولجة متذكرة كان يوم سبت وبلشنا بالاشياء الأساسية الناقصة, الكهربا الداخلية, المطبخ والحمامات والطراشة والبواب الداخلية. هذا بس عشان نقدر نسكن بالبيت ونستعمله وغير البيت من برا والسور والسطح والدرج وباب البيت. اول يوم اعطينا شكات 54 الف شيكل. بعدها بيوم انا رحت عمدرسة البنات وجبت ورقة النقل عنجد ونقلت بناتي عمدرسة الولجه والحمدلله خلال 25 يوم خلصنا تجهيز البيت ونتقلنا لبيتنا اللي حلمت فيو سنين وسنين انا وجوزي وبناتي.
صح لحد اليوم في شغلات لسا بدها شغل ومش جاهزه بس المهم اني عايشه ببيتي وحولي ارض ووساع وهدوء واستقرار. استقرار بتأمل يطول ويضل بيتنا عامر وحاضنا وما تطوله جرافات الاحتلال. كل يوم بصلي وكل ما يجي اخطار هدم او او يجي الجيش عالقرية بصلي لربنا يحمينا ويحمي بيتنا من الهدم ويحمي كل البيوت والعائلات, بصلي نقدر نحس استقرار وامان مثل أي حدا عايش ببلده اللي خلق فيها وبارضه وبين اهله وببيته اللي بناه وحط شقى وتعب عمره فيه.