سنة 1998 صار النصيب وانخطبت لابن عمتي، انا كنت لاجئة فلسطينية من سكان الاردن، وجوزي   فلسطيني لاجئ من سكان فلسطين. بتذكر أيامها  قديش كان جوزي  مبسوط، بعد ما خطبنا وروّح على فلسطين يحضر بيتنا،  قدملي معاملة تصريح زيارة عشان يقدر يدخلني فلسطين، وقتها كانت الامور صعبه والقوانين صارمه بخصوص تصاريح الزيارة لفلسطين، لهيك جوزي قدّم التصريح بدري قبل تحديد يوم العرس بفتره كبيره. وانا بلشت اهيء حالي للحياة الجديدة واحلم فيها ببيتنا الجديد بالولجة.

للأسف حلمي ما اكتمل لانه وصلني اول خبر صادم اللي خلاني افهم اني رايحه على مكان مش امن, البيت الصغير الي بناه زوجي عشان نتجوز فيه صار حطام وأكوام من الحجار. الاسرائيليين هدموا بيتي.

بعد سنتين وبسنة الالفين صار النصيب وانا كنت من الاشخاص الي حالفهم الحظ من بين اعداد كبيرة، قبلو تصريح الزيارة! الحلم الي كنت اتمناه من وانا صغيره صار حقيقة! وأخيرا! رح أزور وطني فلسطين و قريتي الولجة! بتذكر اول ما دخلتها  قديش كانت حلوه، خضارها وهواها، الصورة ما بتروح من بالي، قريتي الي انحرمت منها سنوات طويلة، سيدي وستي الله يرحمهم توفوا فيها وما قدرت اشوفهم ولا أحس بحنانهم، بيت سيدي، طفولة أبوي الي كان يضل يحكيلنا عنها وعن مغامراته وهو صغير فيها.

بتاريخ 6/8، كان يوم عرسي، بالبداية سكنا عند دار حماي وبعدها قررنا  انا وجوزي نرجع نبني بيتنا اللي منحلم فيه، بتذكر اشتغلنا فيه بإدينا، وقتها  كانت ظروفنا صعبه، وما كان في مجال لطريقه تانية غير إنا نشتغل بإيدينا. بعد سنه تقريبا من زواجي واخيرا انتقلنا عبيتنا، وكانت فرحتي ما بتوسعها الدنيا. وأخيرا حلمي تحقق! انا بمملكتي الصغيرة!

وقتها كنت لسه مش  مدركه، وما كنت عارفه انو القادم اعظم. ما كانت عندي الخلفيه الكافيه عن  القوانين الي حاطينها الاسرائيليين لأصحاب هاي الارض. الّي حتى هوية تعرف عنهم كان صعب يمتلكوها، كانت الايام تمشي، وانا حامله اوراقي الشخصية مع جوزي واتنقل من دائرة لدائرة، أدور على نفسي، على هويتي، على فلسطينيتي، انا بلا هويه وبلا أوراق ثبوتية  تعرف عني!

التزمت البيت، ممنوع اروح واجي كتير، في خطر بهدد بيتي وحياتي ازا مسكوني الاسرائييلين وانا ما بحمل هوية، كانت معاناة كبيرة وحرب داخلية نفسية. مرت سنتين وانا على نفس الحال، على امل كل سنه بتمرق يكون اسمي موجود من بين الأسامي اللي طلعلهم لم شمل. وقتها كان الاعلان عن أسماء أصحاب الهويات الجديدة من خلال التلفزيون والشريط بيمرق في اخر الشاشة، كان لونه احمر، لليوم بتذكر لون الشريط من كتر ما كنت مركزه فيه طول الوقت. اليومين اللي بيطلع فيهن ما اعرف انام، وانا اترقب بأسمي، ممكن يكون من بين الاسامي. اول دفعه ما كان اسمي فيهم، اتحطمت من جواتي، كنت انام وانا ابكي من القهر، متى رح  اقدر اسافر واشوف اهلي؟ متى بدي اطلع بدون ما اكون خايفة؟! متى بدي ابطل محبوسة؟!،

مرض ابوي بجلطة عالدماغ ودخل المستشفى، عشت صراع مع نفسي بأني اخد قرار، هل اتخذ قرار واسافر واشوف ابوي؟ وطبعا ما رح أقدر ارجع على بيتي لاني بدون هوية، وكمان ولادي ما رح اقدر اخدهم معي، واصير انا هناك وولادي هانا.. ولا اضل في بيتي واصبر؟ بدت المشاكل تدخل بيني وبين جوزي.  كنت احس مخي بدو يتفجر من كتر التفكير وترددت باني اخد اي قرار ممكن اندم عليه، وقتها كانت القرارات صعبه علي، شاءت الاقدار وبإرادة رب العالمين شفي والدي وارتحت شوي، كان هاد الاشي بعزيني اني اصبر.

بعد كم شهر من الدفعة الاولى من الاسماء، رجع الشريط يطلع اخر الشاشة حامل اسامي ناس جديده، كان الوقت الفجر وانا سهرانه اترقب الاسماء، الامل لسا جواتي، مركزه بالشاشة, عم بقرا, فجأة شكيت بحالي , خفت يكون بتهيألي,  ركضت صحيت جوزي من نومه عشان يتأكد من الاسم بلاش اكون مخربطه او مش شايفه مزبوط! لما شفت وجهه وحكالي: هادا اسمك! صدّقت! فكرت حالي بحلم من كتر الفرحة! مش مصدقه! وأخيرا حلمي تحقق! شفت اسمي عالشاشة !بعد ثمن سنين من الصبر والوجع والحبسه والخوف رح يطلعلي هوية! رح اصير مواطنة معترف فيها ومش خايفه اذا مسكوني وطلبو هوية يقلعوني ويحرموني من ولادي وجوزي.

أول ما اخدت الهوية نزلت عالأردن، كان كلشي متغير، الاماكن، والشوارع، والطرق والبنا. وصلت عبيت اهلي! ثمن سنين! ثمن سنين مش شايفه لا امي ولا ابوي ولا اخوتي! ، أجت   صبية سلمت علي وعبطتني وحضنتني بقوة، اتطلعت فيها وسألتها: انتي مين؟! تطلعّت بعيني ودمّعت! ونا مقدرتش امسك حالي وبلشت ابكي من الموقف! معقوله ثمن سنين تعمل فينا هيك! معقول انحرم من شوفة اهلي واخوتي ثمن سنين لدرجة اني أقول لاختي اللي بذاكرتي لما تركتها طفلة صغيرة وهلق هي صبية قدامي: انتي مين؟ معقول الاحتلال يحرمنا نشوف اخوتنا واهلنا حوالينا ونكبر بعيد عن بعض لدرجة اني ما اعرف اختي!

اسعد ايامي الحلوة كانت لما التقيت بصديقاتي في مجموعة من سيدات الولجة الرائعات، كنا تسع سيدات وبدعم من مؤسسة كورفه الألمانية اشتركت بمشروع إعادة التدوير .كانت تجربه بتجنن، لما بدا المشروع بتدريبنا على الالات اليدوية، ومنها عملنا حدائق منزلية من اعادة تدوير الاطارات والخشب والبلاستك، اشتغلنا بروح الفريق وبأيد وحدة، انتجنا تحف فنية بحدائقنا، تدرّبنا على الآلات اليدوية لإعادة التدوير مع المدرب علاء الحلو.  هدول الستات كل وحده فيهم عندها قصة نجاح وكل وحده فيهم عندها موهبة رائعة، هدول الستات انا وحده منهم.

في يوم من الايام روح جوزي من شغله جايبلي هدية، الهدية هاي كان مختلفة عن كل الهدايا، لا هي وردة ولا شوكلاتة، الهدية كانت عباره عن صندوق عدة يدوية! كنت مبسوطة كتير بالهديه وتشجعت اكتر ومسكتها وبديت أطبق الي تعلمته، صممت ديكورات في بيتي ولحديقتي وساعدوني فيها عيلتي، كان كل شيء ممتع، وصوت ضحكات ولادي واحنا بنشتغل مع بعض كان ما يفارقني، صندوق العدة الصغير الي حصلت عليه اللي اجى بوقته، كان سبب بتغيير حياتي 180 درجة.

كلشي كان ماشي وشغلي وتصاميمي عم تطور وولادي وجوزي بدعموني, لحد اليوم اللي تعرض جوزي لحادث وهو مروح من شغله، وعمل عمليه خطرة برقبته ، وانجبر ما يشتغل لفتره كبيرة. وصار لازم نلاقي بديل عشان نقدر نفوت دخل ونعيش. الي صار  معي كان  اكبر تحدي الي، بيتي اولادي مسؤولية كبيرة، اتقويت وبديت اصمم بآلاتي اليدوية كراسي  وطاولات من  الخشب، كان كل شي بالنسبة الي تجربه ومغامرة، جربت ونزلت عالأسواق الالكترونية، اتعبت وكافحت.. واليوم انا صاحبة ورشة "خشباتك يا وطن" اللي بتعيلني أنا وعيلتي وبتغطي على نقص الدخل بسبب الحادث اللي تعرضله جوزي.

اليوم انا مع سيدات الولجة، نساء نجّارات، انجازاتنا الكبيره هي مفتاحنا لطريق النجاح، افتتحنا مشغلنا بسنة 2018 وأطلقنا كتابنا بألمانيا.. عملنا ورشات عمل ودربنا سيدات من مجتمعات تانية، نشرنا خبرتنا وفكرتنا وتطوعنا ودربنا 19 سيدة من قريتنا وصممنا 19حديقة جديدة، والآن مستمرين رغم صعوبات الحياة وضغوطاتها من الاحتلال.

جمعتنا احنا التسعة بالورشة كل يوم أحد، الي منفرغ فيه طاقاتنا، بايدينا الي بتعمل تحف فنيه، بترسم البسمة على وجوهنا وبتخلينا نواجه مخاوفنا ونتحدى ونفوز بانجازات كبيرة، عشنا ايام حلوه وايام صعبه وصارت عنا قصه نحكي عنها.

رقم 9 هو قصتنا نحن سيدات قرية الولجة.