ريم
انا وجوزي واطفالنا الاربعه كنا عايشين مبسوطين ببيتنا وبقريتنا الولجه. انا كنت ربّة بيت واربي الأطفال وجوزي كان يشتغل داخل إسرائيل. بيوم في 2006، كان عمري 32 سنة، اطفالي اكبرهن عمره 9 سنین والصغیر 3 شهور، متذكره كان يوم من أيام الربيع بشهر اذار ومتذكره انه المكالمه اللي اجتني غيرتلي كل حياتي! حكولي انه زوجي اعتقلته قوات الاحتلال اثناء عمله داخل اسرائیل بحجة عدم وجود تصریح، نزل الخبر عليّ زي الصاعقة وما عرفت شو اعمل. خبرت اهله واخوته وحاولنا جاهدین انه نطلعه لو بكفالة، لكن بلا فایدة!
جوزي نحكم ثمن شهور, ممكن مدّة قصیرة للي بینحكموا سنین ومؤبدات، وبعرف انه حوالينا في اللي اله سنين مش شايف ابنه او اللي جوزها مأبد وضلّت لحالها وانه مصيبتي كثير صغيره جنب مصيبة كثير غيري ببلدنا. بس بالنسبة الي كانت مدة طویلة كثیر! واجت بتوقيت كثير صعب! القيت حالي المعيله الوحيدة لعيله فيها اربع أطفال, اصغر واحد بعده رضيع ولازم اضل معاهن. بيوم وليلة خسرنا الأمان النفسي والعاطفي والمادي! حسّيت حالي ضعيفة, عاجزه وكنت ابكي بالسر كل الوقت, حسيت بالوحده والمسؤوليه كبرت فوق كتافي وصرت كثير حساسة. معرفتش كيف اتصرف ولا شو اقبل وشو ما اقبل, مثلا كنت اتعامل بحساسية كبيره لمن حدا يحاول يقدملنا مساعده ماديّة واحس بالاهانة وارفض لأننا بعمرنا ما مدينا أيدينا لحدا, بس كمان كنت ازعل اذا ما حدا سأل واحس انهن مهملينا ونسيونا. حسيت اني فقدت توازني والاشي اثر عالاطفال وعالبيت.
كنت مخربطه كثير, وحيدة وحزينة, حسيت اني كبرت مرّة وحده قبل اواني. كنت محتاجه حدا يطبطب عليّ ويواسيني ويصبرني ويهونها علي! كنت كل يوم اطل من شباك غرفتي الاقي بوجهي كوم الحطام تاع بيت حماي اللي هدموه الاحتلال! كنت كل ما اصفن بالبيت المهدّم احسه بشبهني من جوا. غياب زوجي ترك عندي فراغ كبير! فراغ صعب اوصفه وما بتمناه لحدا! ما كنت متخيلة اني بحبه لهالدرجه! غيابه قلبلي حياتي ومع كل وجع الظلم والمسؤوليه والتربيه نتبهت قديش انا بحبّه وقديش مشتقتله ومحتاجته هو بهيك أيام عصيبه لاشكيله همي ويدعمني!
وصلت لوضع اني عارفه انه المدخرات اللي مدبرين حالنا منهن قربو يخلصو, وحالتي النفسيه وعصبيتي بلشت تنعكس عالولاد وحسيت اني لازم اعمل أي اشي, أي اشي ولا اضل علقانه بهاي الحاله, عشان الولاد عالاقل اللي مش ذنبهم انهم بيسالوا وين ابوهم وشو صار معه ووقتيش\ايمتا راجع؟ على قد ما كنت احب ولادي على قد ما كانت اسئلتهن البريئه اللي مش واعيه للاحتلال تلسعني وتخنقني ومرات كثير كانت تضغطني وكان لازم افرّغ واطلّع هذا الضغط وما أضلّ أكبت!
الأرض! طلعت عالارض اللي جنب بيتنا وبلشت انضفها من العشب, بعدها جبت الفاس وبلشت ابحش بالفاس وكنت كل مره بضرب الأرض بالفاس اتخيل اني بضرب عدوي وعدو جوزي وولادي. زرعت الأرض وحسيت اني بزرع اشي جديد جوا روحي علشان اقدر اعیش انا وولادي بروح جدیدة ومحصول يكفينا. ما اكتفیت بهیك، توجهت للوكالة (UNRWA) واشتغلت معهم لمدة شهر في المجلس القروي على برنامج البطالة، وقدمت لمركز الاحصاء واخدت دورة واشتغلت معهم 15 يوم في برنامج التعداد السكاني، علشان یكون لي دخل وما یحسوا اولادي انهم ناقصهم اشي. وشوي شوي بلشت اتعود على حياة المسؤوليه الكبيره واني الام والأب وكلشي بالبيت. وكل يوم كان يمرق كنت اشتاق اشوف جوزي اكثر واكثر! مرات في ليالي كنت بس بدي احكي معاه, اسمع صوته, اشكيله, ابكيله, يما شو كنت احوشله اخبار عن الولاد, كل الشغلات اللي صارت معنا وهو بالسجن وما كان معنا فيها, رمضان مثلا والعيد ما كنلهم طعم ولا فرحه هديك السنه.
وبعد خمس شهور وأخيرا سمحولنا بزيارته!صح كنا نحكي معاه عالتلفون بس فش اشي بيغني عن شوفته بعيني. اشتریت لزوجي شویة اغراض و اواعي (ملابس) كان طالبهم، وحضرت احلى اواعي عندي وعند اولادي من قبل بیوم، ومن قبل الفجر قمت وصحیتهم وجهزتهم ولبست وزبطت حالي علشان اكون حلوة بعیونه بعد طول غیاب، وكنت مبسوطة كثیر ومتحمسة، طلعنا الساعة 4 الفجر ورحنا على منطقة السینما المكان اللي بنركب منه بباصات الصلیب الاحمر لزیارة السجناء.
مشى الباص الساعة 5 الصبح، ووقفنا بالطریق على معبر ترقومیا للتفتیش اكثر من ساعتین ضلینا، حسیت الطریق طویلة كثیر, وصلنا سجن الرملة حوالي الساعة الحادیة عشر، لسا متذكرة المكان حوالین السجن، منطقة سهلیة مزروعة بالعشب الاخضر، جنب شارع رئیسي في على طرفه 3 نخلات طویلات كأنه حدیقة بلا مقاعد وبلا مظلات، كان الجو حار كثیر یومها وما في اشي نستظل فیه، وناس كثیر بتستنى دورها للزیارة، استنینا كثیر وتعبنا كثیر وجاعوا الصغار وصارت حالتنا حالة وعرقنا واسودت وجوهنا وراح كل التزبيط عالفاضي!
وبعد ساعات، الساعه اربعه العصر بالزبط، نادوا اسمائنا! وأخيرا اجى دورنا ندخل! بعد اجراءات طویلة ومتعبة نفسیا فتحوا الباب ودخلنا للزیارة، دخلت وبعيوني بفتش عليه وما مصدقه اشوفه, شفت كثير ناس, تطلعت بوجوه المساجين بس ما شفت وجهه, قلقت وخفت! شوي شوي وبنص الضجه بلشت اسمع صوت بينادي علي! هذا صوته! يعني هانا وانا مش عارفته!كيف؟! صوته قريب! تطلعت مليح وشفت حدا لحيتة كثير طويله, بس هدول العينين وهادا الصوت انا بعرفهم! قديش متغير شكله! ما كنت متخيله اني ما اعرف جوزي دغري وما كنت متخيله انه رح يكون هالقد متغير! نسيت كلشي وركضت لعنده ونهرت وبلشت ابكي وابكي وفورا بدا الدم ینزف من انفي من كثر التعب والحر اللي ضلینا فیه ساعات طویلة. ومضى معظم وقت الزیارة بنحاول نوقف النزیف، وبعدها ما كان ضایل للزیارة الا وقت قصیر، حكینا شوي، واطمنا علیه، ولاعب زوجي الاولاد اللي حسوا بالغربة عنه في الأول وما بنسى كيف تطلعو عليه كانهم مش عارفينه وهو يحاول يلاعبهم ويطمنهم. بنهاية الزيارة زوجي قلي: ما ترجعي للزیارة مرة تانیة، انا بتطمن علیكم بالتلفون، ما بدي تتبهدلوا بالزیارة مثل الیوم.
انا بعد اللي صار فهمت اني ما بقدر احمل هم الزياره وطريقها مع اربع أطفال, وصرنا نستنى باليوم والساعه وينتا تخلص المدّه! والحمد الله مضت ایام الضیق والشدة وطلع زوجي من السجن لما خلصت المدة، ورجع التم شملنا، ومن یومها زوجي ما اشتغل داخل اسرائیل. وطلع ليكمل حياته مع ريم غير اللي عرفها قبل ما ينسجن.
صح بعدني ريم اللي بتحبه بس التجربه والمسؤوليه لحالي كبرتني وعلمتني كثير وقوتني وغيرتني وخلتني اكتشف اني بقدر اعمل كثير شغلات. هاي التجربة دفعتني للعمل المجتمعي والتطوعي في مجال خدمة النساء من خلال النادي النسوي واللجنة المجتمعیة في القریة، وآخر المشاریع التي تطوعت فیها كانت مشروع الحدائق المنزلیة اللي بدأنا بالعمل فیه من ست سنوات، السنة الاولى جهزنا 9 حدائق منزلیة كمتنفس ل9 سیدات من القریة من خلال اعادة تدویر الاطارات والعبوات البلاستیكیة، وتطور المشروع بالسنة الثانیة وقمنا بعمل 19 حدیقة تانیة، وخلال هاي الفترة كنا نوخد تدریبات احترافیة على اعادة تدویر المنصات الخشبیة والعمل على آلات النجارة الكبیرة في مشغل ریزاین في بیت ساحور مع المدرب علاء الحلو، وتطور المشروع خلال السنوات الاخیرة وافتتحنا مشغل الرویسات للفنون الخشبیة في اوكتوبر عام 2018 بعد زیارتنا لألمانیا واطلاق كتابنا الخاص (صمود-الحياة مقاومة) اللي بیحكي قصتنا وقصة قریتنا الولجة، القریة الحلوة اللي فیها اكثر من 17عین مي، واللي مساحة اراضیها كانت اكثر من17700 دونم قبل 1948، تم مصادرة معظمها بعد النكبة من قبل قوات الاحتلال، ولسا القریة بتعاني لحد الیوم من الاحتلال الي رجع و صادر اجزاء تانیة من أراضیها بسبب بناء جدار الفصل العنصري واحاطها بمستوطنتین جیلو وهار جیلو، ومنع اهل القریة من بناء بیوت على اراضیهم الخاصة، وقوات الاحتلال في كل وقت بتداهم القریة وبتهدم البیوت وبتشّرد العائلات بحجة عدم وجود تصاریح بناء .قریتي الجمیلة اللي هواها نقي وبیرد الروح، رغم كل الضغوط والصعوبات ومحاولات الاحتلال بتهجیراهلها قصریا، لسا بنحبها وصامدین على ارضها للأبد .
والیوم انا ریم الاعرج، ام لستة اولاد، كل یوم بصحى قبل الستة الصبح علشان احضر افطار زوجي واولادي، واجهز الصغار للمدرسة، وبنضف بیتي وبجهز الغدا بسرعة وبنشاط، علشان اروح على مشغل الرویسات مشي بهمة ونشاط، بتنفس هواء نضیف و بشم ریحة الزحّیف (عشبة) والقندیل و الاعشاب البریة، بحس بالانتعاش وبحس بالحیاة، لحتى اصل المشغل، بلاقي صاحباتي اللي واصلات قبلي بیضحكوا، بنشتغل سوا وبنتشارك مشاعرنا وهمومنا وافراحنا واحزاننا، وبنصنع منتجات حلوة بجهد وتعب، بنكون فخورات كثیر ومبسوطات بانجازاتنا وبالقطع اللي بننتجها لان كل قطعة بتحكي قصة كفاحنا وطموحنا، وان شاء االله بنضل مستمرات لحتى نحقق كل اهدافنا، بأن نحافظ عالبیئة من خلال اعادة التدویر، ونعزز صمود سیدات القریة ونمكنهم اقتصادیاَ، وننشر فكرتنا في المجتمعات التانیة، ونشجع الناس على تغیر الفكر النمطي حول عمل المرأة في المجتمع الفلسطیني ونعلمهم مهنة جدیدة، ونحارب البطالة المتفشیة .